محمد جواد مغنية
22
في ظلال نهج البلاغة
وأجاب البعض بأن الصفات بالنسبة اليه تعالى متعددة مفهوما متحدة مصداقا . وهذا الجواب - كما نرى - لا يحل الإشكال ، لأن صدق المفاهيم العديدة على شيء واحد يستدعي أن تكون به حيثيات عديدة ، فيقال : هو عالم لصدق مفهوم العلم عليه ، وقادر لصدق مفهوم القدرة . . واللَّه واحد من كل وجه لا حيثيات له وجهات . . أجل ، يقال : هو علم لأن العلم ذاتي له ، وهو عالم لأنه يعلم كل شيء ، ولكن الجهة هنا واحدة ، وهي العلم . والأولى في الجواب : انه لا مصداق ولا مفاهيم ، ولا حيثيات وجهات . . لا شيء على الإطلاق إلا واجب الوجود الكامل المطلق من كل وجه ، وإن التعدد إنما هو في أنواع الكمال وأقسامه ، لا في ذات الكامل المطلق الذي هو المبدأ الأول لكل كمال . . وبتعبير ثان كما أن تعدد المخلوقات لا يتنافى مع وحدة الخالق كذلك تعدد الكمالات لا يتنافى مع وحدة مبدئها ومصدرها . المعنى : ( أول الدين معرفته ) . لكلمة الدين معان ، والمراد بها هنا الطاعة والانقياد للَّه تعالى في أمره ونهيه . ومن البداهة ان الانقياد يتوقف على معرفة القائد ، والطاعة على معرفة من يطاع ، ومن أجل هذا كان العلم باللَّه أشرف العلوم ، لعظمة « المعلوم » من جهة ، ولأن العلم بوجوده تعالى وبأمره ونهيه هو في جوهره علم بمبدأ الانسان ومصيره ، وبما له وعليه ، وأوضحنا ذلك في كتاب « فلسفة التوحيد والولاية » . قال الإمام ( ع ) : رحم اللَّه امرأ أعد لنفسه ، واستعد لرمسه ، وعرف من أين وفي أين والى أين ( وكمال معرفته التصديق به ) . والذي نفهمه من التصديق هنا هو الإقرار باللَّه عن ايمان وايقان لا يشوبه شك ووسوسة بحيث لو انكشف الغطاء لصاحبه ما ازداد يقينا . أما من أقر باللَّه ، وقال : أشهد أن لا إله إلا اللَّه ، ثم ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من مصاب يلم به ، أو وهم زائف ، أما هذا فهو ناقص الايمان ، وان قام الليل ، وصام النهار . قال الإمام ( ع ) وقد سمع رجلا من الخوارج يتهجد ويقرأ : « نوم على يقين خير من صلاة في شك » . وفي معناه الحديث المعروف : نوم العالم أفضل من عبادة الجاهل .